محمد جمال الدين القاسمي

335

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

( تنبيه ) ما نقلناه عن ابن جرير وابن كثير في تفسير ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ هو الأنسب باعتبار سوق الآية الكريمة ، ولا يتوهم من ذلك دفع تحريفهم اللفظيّ عن التوراة ، فإنه واقع بلا ريب ، فقد بدلوا بعضا منها وحرفوا لفظه ، وأوّلوا بعضا منها بغير المراد منه ، وكذا يقال في الإنجيل . ويشهد لذلك كلام أحبارهم ، فقد نقل العلامة الجليل الشيخ رحمه الله الهنديّ في كتابه ( إظهار الحق ) : أن أهل الكتاب سلفا وخلفا ، عادتهم جارية بأنهم يترجمون غالبا الأسماء في تراجمهم ، ويوردون بدلها معانيها ، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد ، وأنهم يزيدون تارة شيئا بطريق التفسير في الكلام ، الذي هو كلام الله في زعمهم ، ولا يشيرون إلى الامتياز ، وهذان الأمران بمنزلة الأمور العادية عندهم . ومن تأمل في تراجمهم المتداولة بألسنة مختلفة وجد شواهد تلك الأمور كثيرة . ثم ساق بعضا منها فانظره . وفي ذخيرة الألباب ، لأحد علماء النصارى ، ما مثاله : إن بعضهم ذهب إلى أن الروح القدس لم يق الكتبة عثرة الخطأ الطفيف ، ولا كفاهم زلة القدم حتى لم يستحل أنهم خلطوا البشريات بالإلهيات . وفيه أيضا : إن بين النسخة العبرانية والسامرية واليونانية من الأسفار الخمسة خلافا عظيما في أمر التاريخ . فإذا تحريف الأسفار الخمسة أمر بيّن . وفيه أيضا في الفصل ( 31 ) : أن بعض علمائهم زعم أنه وجد في الترجمة اللاتينية العامية للعهدين العتيق والجديد نيفا وأربعة آلاف غلطة ، ورأى آخر فيها ما يزيد على الثمانية آلاف خطأ . انتهى . فثبت من شهادتهم وقوع التحريف اللفظيّ فيها . وهو المقصود . وأما القول بتحريف الأسفار كلها أو جلها ، فهو إفراط . قال الحافظ ابن حجر في أواخر شرح الصحيح في باب قول الله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ [ البروج : 21 ] : إن القول بأنها بدلت كلها مكابرة . والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل . من ذلك قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] الآية . ومن ذلك قصة رجم اليهوديين « 1 » وفيه وجود آية الرجم ويؤيده قوله تعالى

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المناقب ، باب قول اللّه تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . عن عبد اللّه بن عمر ، رضي اللّه عنهما ، أن اليهود جاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ » فقالوا : نفضحهم ويجلدون . فقال عبد اللّه بن سلام : كذبتم . إن فيها الرجم .